مهاجروا مالي .. من جحيم القاعدة والطوارق إلى لجوء اضطراري بالمغرب
مامادو : تحدثوا معي بالدارجة فلقد صرت مغربيا مثلكم ...
‘’كل شيء يمر في وقت وجيز والمشاكل تتعاقب علينا في رمشة عين ،حين نشب صراع بين أطراف متعدد لم نعد نعرف ما يقع بالضبط فالإرهابيون الموالون للقاعدة استطاعوا التحكم في المنطقة وزعزعة الجيش لينقسم لفرق عديدة’’..
هكذا تحكي لنا خديجتو الشابة المالية التي تنحدر من جنوب غرب مدينة تومبوكتو حيث الحرب على أشدها بين الدولة وحركة تحرير الأزواد المنتمية للطوارق ، التي تعود أطوارها لتاريخ 18 يناير من هذه السنة،
“فلم نعد في مأمن يسمح لنا بالعيش بسلام ، لقد فقدت أخي الصغير أثناء الصراعات ولا اعرف حتى من الطرف الذي تسبب بذلك ، مالي أصبحت كابوسا حقيقيا تشتت معه أسرتي الصغيرة فوالدي لازالا هناك وأخي توفى وأنا هربت نحو موريتانيا مع مجموعة من الشباب .
رحلة طويلة من تمبوكتو لموريتانيا وصولا للمغرب علنا نهاجر لأوربا لكن تسارع الأحداث ومرارة الأيام سيجعلني محتارة في تحديد مصيري، لقد هربت من الصراع والإرهاب فعشته بالطريق خلال أسوء سفر في حياتي مشينا على الأقدام كلمترات عديدة من تمبوكتو لموريتانيا حتى ندمنا على اليوم الذي خرجنا فيه من مالي، ولكن الأمل بمستقبل أفضل والحلم بالوصول لأوربا كان يزرع داخلنا حماسا وقوة تنسينا مشاكل الطريق وهول الكارثة ، كل ما يمكن أن يقع لشخص خلال هذه الرحلة من جوع وعياء وخوف عايشناه ونحمد الله أن الأمر أصبح من الماضي الآن ، بوصولنا لموريتانيا سنستقل سيارة تسمى سبعة أماكن ستوصلنا للصحراء المغربية سرا.
وبعدها سأبدأ حياتي وصديقة لي بشكل مغاير عن مالي ، سنعمل كل ما يمكن أن يخطر على بال انسان من مهن مذلة لنجمع بعض النقود لنصل للشمال المغربي طنجة ولكي نتعايش مع مجتمع جديد علينا مارسنا الدعارة والتسول وعملنا بالأعمال الشاقة بالفلاحة والبناء وانتقلنا بين المدن المغربية من الداخلة والعيون واكادير ومراكش والجديدة وكازابلانكا والرباط ...مدن كثيرة وتعرفنا على المغربعن قرب.
بطنجة وجدت مهنة وصديقتي أميناتا داخل أحد المطاعم كنا نقشر الخضر ونقوم بنظافة المكان بأجر يومي 50 درهم للواحدة، كنا نأكل بالمطعم الذي نشتغل به وندفع 25 درهم للمبيث وهذه حكاية أخرى فلقد كنا نتناوب مع أصدقاء أفارقة أخرين ''رجالا'' على غرفة، نحن نمام ليلا وهم نهارا ، يبقى لنا ثمن السجائر ونوفر قليلا عله يساعدنا للهجرة لأوربا ، لم استمر طويلا على هذه الحال فطلب مني سعيد وهو من زوار المطعم أن أعمل عنده بالمنزل عوض العمل بالمطعم على اعتبار أن الأجرة لن تتغير وأنني سأنام بمنزله ، كان يعيش لوحده فحدثت بيننا علاقة، فكان كل شيء على أحسن ما يرام فظننت أنني أصبحت صاحبة المنزل، بعد أيام من المعاشرة سأكتشف أنني حامل وعندما سيعرف الخبر سيطردني خارج المنزل وسيهددني بجلب الشرطة بدعوى أنني سرقت له أمواله ، لقد استغلني وطردني ولكن احمد الله كثيرا لأنه عوضني بدل أخي الصغير جنينا ببطني ، الحياة بطنجة لم تعد لها قيمة بعد الذي حصل وبعد سوء العلاقة مع صديقتي اميناتا التي ستتعرض بدورها لقصة أبشع مع الهجرة، ستفقد معها كل ما جمعت وستبدأ من الصفر مجددا علها تعاود الكرة مرة مقبلة وسأختار أنا الهروب نحو كازا بلانكا حيت أخبروني أن العمل أسهل .
بكزابلانكا كل شيء مختلف ومتحرك لكن نظرات العنصرية أكثر من طنجة وغياب الثقة بيننا وبين المغاربة سيجعل أمر العمل مهمة مستحيلة لغاية لقائي مع مامادو الذي سيقدم لي السند وسيحبني بصدق ورغم أنني أقول له ضاحكة تشبث غريق بغريق إلا أنني أحمد الله الذي بعته لي وأتخيله ليس بشرا في عيني ولكنه شيء رباني جاء لينجدني من واقع صعب. ''
يقاطعها مامادوبلغة تجمع بين الفرنسية والدارجة المغربية بلهجة افريقية ليقول لنا'' إني لن أتركها تغادر المغرب نحو المجهول. ''
ويحكيقصتهشبيهة بمعاناة خديجتو، لكن الابتسامة لا تفارق وجهه أبدا يقول عن المغرب كلاما جميلا ويحب أهله كثيرا وتغمره الفرحة كلما خرج من الحي ووجد الصغار يلعبون وينادونه باسمه ويلعب معهم كرة القدم لثواني .
ويحكي:'' قدمت للمغرب قبل أحداث مالي بستة أشهر يعني أكملت سنتي الأولى هنا ، البداية صعبة جدا، تسولت بالشوارع وافترشت الأرض للنوم في الخلاء لأيام ، استقريت عند قدومي باكادير وعملت بالبناء لمدة شهرين لغاية إصابتي بمرض " بانري " بيدي اليمنى التي أعتمد عليها في حمل الاسمنت في ورشات البناء ، فذهبت للمستشفى فطردوني بدعوى انه ليس لي أي وثائق ، توجهت بعدها لمستشفى خاص فطلبوا مني مبلغا طائلا صعب علي دفعه ، لم أجد سوى الصيدلية فأعطوني مضادا حيويا لكن الوقت كان قد فات على أخده فتعرضت سبابتي لتعفن حاد استدعى قطعها ، حوالي الشهر تقريبا وأنا بدون عمل ولا أقوى على فعل شيء كنت أتسول لسد رمقي وللتقوت .
بمجرد التعافي توجهت لكازابلانكا وجدت هناك بيئة أفضل وتعايشت مع بعض السنغاليين الذين مدوا لي يد العون وأنا الآن أبيع القلادات والمستحضرات الطبيعية التي تعالج الروماتيزم والبرودة الجنسية وأشتريها من عند أحد الصحراويين .
لقد وجدت خديجتو ب''درب غلف'' تتسول وتعارفنا وحكت لي قصتها ونحن الآن نعيش تحت سقف واحد ونستعد لبناء أسرة بالمغرب رغم أننا غير شرعيين بل وقررنا الزواج لقد أصبحت الآن تعمل في نقش الحناء وعمل الراسطة للشعر وهي أشياء تعلمتها بمالي ونحن الآن نتعاون على الحياة وقررنا الاستقرار بالمغرب . ''
تقول خديجتو أن المغرب بلد رائع وأحبته كثيرا بل وتعلمت صنع الأكل المغربي وحتى الكسكس لكنها لازالت تعاني التحرش بالخارج وأكثر ما يحز بنفسها هو مناداتها من طرف الشباب ب " العزية الخانزة " ، تضيف أن غالبية المغاربة يتعايشون معهم بشكل عادي لكنها أحيانا تصادف صورا عنصرية ترهبها من المستقبل خصوصا عندما تلد ابنها المغربي الأصل، كما أن شبح معاناة أهلها بمالي لايفارقها .
تركنا خديجتو ومامادو وقصدنا مطعم مالي بوسط البيضاء وجدنا أمثلة عديدة وحالات إنسانية مشابهة لحالتهم لكنهم جميعا يفقدون الثقة في البوح والتفريج عما بداخلهم للصحافة خوفا منا أحيانا لفضحهم ولعدم ثقتهم بنا أحيانا أخرى .
اتصلنا بالمفوضية السامية للاجئين فرع المغرب فرفضت بدورها الإدلاء لنا بأي تصريح يفيد تزايد الهجرة المالية نحو الشمال مع وجود النزاع بمالي .
سألنا بعض المغاربة عن نظرتهم للأفارقة عامة والماليين خاصة بعد الصراع القائم هناك فكانت الأجوبة مختلفة فالحاج محمد وهو في الستين من عمره أبلغنا أن ارض الله واسعة وتسع كل عباده وأضاف أن مالي دولة مسلمة ومن حقنا كمغاربة مد العون لهم ومساعدتهم في محنتهم للقضاء على الإرهاب والفوضى ، بعيدا من الحاج محمد التقينا جواد وهو طالب دراسات عليا وعاطل عن العمل 25 سنه رفض تواجد الأفارقة بالمغرب غير الشرعيين وقال بالحرف :" خدمنا حتى حنا وحلينا مشاكيلنا حتى حنا بقا غير هما ".
خديجتو ومامادو هم فقط مثال مصغر عن مهاجرين ماليين تركوا وراءهم إرهاب القاعدة والطوارق من جهة وظلم الجنرالات من جهة أخرى بحتا عن السلم والاستقرار، فوجدوا مجتمعات تعايشوا معها فمنهم من ولد الأبناء ومنهم من يتجول بالأسواق ومنهم من يرقد بالخلاء وكما قالت خديجتو:'' كم أتمنى أن تكون لي نفس حقوق السنغاليين وأعيش بالمغرب بدون خوف أو متابعة ويكون لإبني حقوقه الشرعية ككل صغار المغرب !!!''
ملاحظة : الأسماء الواردة بالربورطاج ليست الأسماء الحقيقية للشخصيات .
تحقيق – المصطفى اسعد






